كانت هُناك





دعها .. وكأنها لم تكُن يوماً هناك

وكأن تلك الأنوثة لا تُثير اهتمامك ..

تذكّر أن لا تنسى يوماً ابتسامتها

وتذكّر

أن غُبار عِطرها سوف يجثو أمامك ..


دعها .. فلقد نفذِت القهوة

من هذا الفنجان

ورفاتِ أفكارِها التي تُعجبك

تلاشَت على تفاصيل الجُدران

ففي بعض الأحيان .. ترسم الغياب

وكأنها لم تكُن يوماً هناك ..


تأكّد أنها كانت هناك

وأن أفكارك .. كانت أفكارها

وأن ليلَك البارد

كان يُضيء نهارها ..

لكن حُروف هذه القصيدة بالذّات

لم تُكتب من أجل نهاية سعيدة

فاجعلها تُسطّر قصائدها الجديدة

ففي أغلب الأحيان .. سوف ترسم الغياب

وكأنها كانت دوماً هناك ...

لا تَحْرِم الروايةَ من فَصْلها الأخير






لا تَحْرِم الروايةَ من فَصْلها الأخير

فكثيرٌ من رواياتِنا لم تَكْمَل ..

لا تَكترِث إن عانق الظُلم الأسير

فكم تمنّينا لو أضحى حُلمُنا الجميل .. أجمَل


نعرفُ أن الغد لن يأتي .. فننتظِر

نعرفُ أن الشّموخ خُلق لنا .. فننكسِر

ونَمضي في شارعنا القديم

نبتسمُ للوحاتِ الخريفِ على جُدراننا

نعلم أن بَيتنا لَم يعُد هُناك

وأن المطر لم يعُد يسقُط على ذلك الشُّباك


ههُنا صَمتي، وصُور قديمة

وقليلٌ من الذكريات

ههُنا كوخٌ هجرَتهُ أشجار الطفولة

وحفنةٌ من الأمنيات

فلا زلتُ أخافُ أن يتكرّر الخريف

وأن ينهش المطر ألوان الرصيف

فيُدمن بابنا صوت الصّرير

ويحترف الظُلم مُعانقة الأسير

حينها حتماً ..

لا تَحْرِم الروايةَ من فَصْلها الأخير

صندوق البريد 2




وداعاً

ألقيتَ بها ثم اختفيتَ بين الزحام

ورائحةُ المطر تجتاحُني

وتنتشل بقايا أنوثة بين الحُطام ..

وكأنك لا تعلَم يا سيّدي

بأنني الآن سطرٌ جديد

وأنّي لا أزال أناظر صندوق البريد

وأن التاريخ في كتابِك هو الحاضِر

وصفحاتك تغتالُ أقلامي حين تُسافر

فلستُ امرأةً تترُكُ حقائِبها وأنوثتها

وتنثر عطرها الحزين حين تُغادر ..


أنا يا سيّدي أحتاجُ للأملْ

حين يعانقني المطر ويتركني للبللْ

فأبقى أتابعُكَ من بعيد

ترشِف فنجان الرجولة وتقرأ البريد ..

فأبدأُ برسم أحلامي الورديّة

وأيقِظُ قَيلولتي الأبدية

من حُلمي الذي أقتنيه

فقد لا يزال لهذا الحُلم بقيّة ..


فلستُ امرأةً تترك حقائِبها وأنوثتها

لتدّعي أن ذلك المكان هو اللّامكان

وأنّي أُلاحظك في بعض الأحيان

فدخّانك واللون الأبيض في شَعرك

أصبحا تفاصيل حياتي

وفرشاة شَعري ومرآتي

ومعطفك الأسود يا سيّدي، لا يزال هو الوطن

أشتاق إليه

رُغم أنّي لا أعرف كيف يكون الوطن

وكيف تكون الذكريات

وكيف أكون بين يديك إمرأةً في لحظة

وطفلة خائفة في لحظات ..

وداعاً

سأُلقي بها وأختفي بين الزحام

وسأعانق حبّات المطر

فلستُ امرأةً تترك حقائِبها وأنوثتها

في قِطارك لتسأل: متى السفر ؟

تاريخ ميلادي الجديد





جَلَستُ طويلاً أُفكّر ..

وبصوتي الخافت أُثرثر ..

ماذا سأكتُب !

لمن سأكتُب !

ذلك الإحساسٌ الغريبٌ في داخلي

لا زال يهمِسُ لي، ويدفعُني لأُقرّر

قد تكونُ مُعقدةً كلماتي ..

ساذجةً عِباراتي ..

لكن اسمحي لي سيّدتي، أن أُفسّر ..


ربما قد آن الأوان

أن ينفُضَ قلمي عن نفسه

القليل من الغُبار ..

وأن يطرُد من داخلي

ذلك الإنسان .. غريُب الأطوار ..

فربما ما عدت مسافراً

وربما ما عُدّت قادراً

على ارتداءِ ثوب الانتظار

وأن أحتفظ لنفسي بهذه الأوراق

وهذه الأقلام

تُترجمُ بخجلٍ ما أحمِلُ من أفكار ..



إليكِ سيّدتي سأكتبُ هذا المساء

سأغزو مملكة النساء

يا من تصنعين من رُجولتي مهداً

وتنتَشلين من شيخوختي طفلاً

يستحلفكِ أن تخلعي ذاك الرداء ..

وفي هذا المساء

سأكتبُ إليكِ سيّدتي الكثير والكثير

من الأشياء

رُغم الكبرياء

سأُبعثر حروفي في زَواياكِ

وأبحثُ عن موطِني الصّغير في مُحيّاكِ

وألتقطُ خَطواتكِ

وأرشفُ نظراتكِ

إلى حدّ الإدمان

أتعلمين أنّي أكتبُ إليكِ الآن ؟

وأني في شُرُفاتِ عينيكِ

احترَفتُ فنّ الهذيان ؟



أتُدركين أن كلّ حرفٍ

من حروفِ هذه " القصيدة "

هو لك أنتِ !

قد تستغربين .. وتتساءلين

وأعلم جيداً أنكِ في هذه اللحظة

تبتسمين ..

فتأكّدي وكُوني على يقين

أنكِ أنتِ بيتُ القصيد

وما أُحب وما أُريد

وأنكِ رائعةُ هذا الزمان

وتاريخُ ميلادي الجديد ..



أعذريني على التأخير

واعذري الكلمات الخجولة على التقصير

واعذري كلام صمتي

في مشهده الأخير ..

انتَشليني من حُزن أيلول

فأنا أمام محكمةِ الظّلمِ

لا أخشى المُثول

فأنا يا صديقتي لستُ شاعراً

يستعبدُ كلماتِه العنيدة

ولا أعيشُ وراء الشّمس

أو في بلادٍ بعيدة

كُل ما في الأمر

أنّ بين رُفوف ذكرياتي

وتفاصيل حياتي

تَقطُنُ أمنياتٍ عديدة

عُذراً !

بَل هي أمنيةٌ وحيدة ..

أن أسألَ قلمي

لِمن كتَبَ هذه " القصيدة " !!

رسالتها العاشرة



بَعَثَت لي برسالتها العاشرة

تسأل

متلهفةً

عن أخباري ..

فكتَبتُ لها:

كل شيءٍ بخير

أكتب إليكِ وأنا في القطارِ ..

فقد سافرتُ كثيراً

حتى هجرتني الحقائبُ

وملّت مني أسفاري ..

لا أدري إلى أين أنا ذاهبٌ

رُبما

إلى غيمةٍ أستوطنها

أو إلى شُرُفاتِ بحرٍ

غاضبٍ

مُتمردٍ

على قوانين البحارِ ..


أُحس بغُربةٍ

قاتلةٍ

تعتَريني

تستعبِدُ أفكاري ..

تَعصُر مُخيّلتي

وتجتاحُني

وتُبعثرُ الأوراق

التي لطالما راهنَت

على عَودَتي

رُغم طُول مِشواري ..


لا أُخفي عليكِ

فقد تعبتُ كثيراً

وضاع الّلحن مِني

وتقَطّعت أوتاري ..

حتى ظننتُ

أن دوام الحالْ

ليس من المُحالْ

وبأني ولِدتُ قَبل الميلاد

وألغيتُ من التاريخ

الكثير من الأعياد ..

فرسمتُ مُدناً وهميةً

اغتصبتها الحُروب

فما عادَت تحتاج

الترميم والإعمارِ ..

لا أزال أبحثُ عن حُزنٍ

يُخرِجُني مِن حُزني

عن قيثارةٍ شرقيةٍ

تَستعذُب العزفَ

مع المزمارِ ..


وها أنا لا أزالُ مسافراً

حتى اللحظة

وكُلّي أملٌ بالمجهول

رُغم الذهول

الذي يرتديني

ويستعمرُ جَبيني

فيُقيّد ذُنوبي البريئة

على حائط أفكاري ..

فأخافُ أن أعود من سفري

متناسياً تلك الحدود

وأعجزُ

عن كسر الجُمود

فإن الشوق ما عاد إلاّ

كبرياء وردةٍ

غدرَتها الورود

وتِلك القُيود

تزرعُني

على مِقعد القطارِ

فتسألُ دفتري

إن كان قلمي

قد أَثقَلَ صفحاتِهِ

بالأوزارِ

فتَثورُ الحروف

داخل دفتري

غاضبةً

مُنتظرةً قراري

فأشفقُ على تِلك الحروف

وأتذكر رائحةَ تُرابكِ

والشوارع

والمقاهي القديمة

وجُدرانكِ العظيمة

تحتَضِن ألف تذكارٍ

وتذكارِ ..

فأقفُ بين الحُضور

مِثل بركانٍ

اعتراه الفُتور

وأترجّلُ عن قطاري

وأرحلُ عن الجميع

فلقد انتهت رِحلتي

واتخذتُ قراري ..


ها أنا عائدٌ وبيَدي مفتاحٌ

وحقيبة

فأرجوكِ أيتها الحبيبة

أن تضُميني حين أعود

فأنتِ الميلادُ

وأنتِ الوجود

وإن كان حُبّي إليكِ عارٌ

فكم أتمنى

أن يُزفّ نَعشي بين ذِراعيكِ

وعلى صدري

إكليلٌ من العارِ ...

غُربة الوشاح




كعادتي

جلَستُ وحيداً بين أحضان شُرفتي

أقرأُ الجريدة وأحتسي قهوتي ..

وذلك الوِشاح الأُرجواني

مِثل وطنٍ بعيدٍ يجتاح غُربتي ..

وكعادتي

نسيتُ فِنجان القهوةِ

يُبعثر دُخّانه الحائِر

ليطير بعيداً

ويُعانق تلك الستائِر

وتلك التفاصيل ... تلك المرايا

تعكس صُورتكِ على الجدران

وبين الزوايا ..


وشاحكِ الأرجواني

ما بَرَح يرسُم تفاصيل أيّامي

وينقش الواقع على أحلامي ..

رائحتكِ الزكية لا تزال تعانقهُ

بشوقٍ ولهفةٍ

تُلاحقهُ

وتستبيح الاستعمار هُناك

ولا تُفارقهُ !


وشاحكِ

الذي أبى أن يقول وداعاً

مِثلما فعَلتِ

واستنكَر الرّحيل

ولكنكِ رَحَلتِ ..

كان لعِلّتي الدواء

ولنَزوات شِعري .. الرّثاء

وكان صديقاً وفياً ..

وأنتِ

عن مينائي بعيداً أبحرتي ..


لا أُخفيكِ

لَستُ أنا من اشتاق إليكِ:

هي الأماكن والأسباب

وحديثُنا الدافئ

وراء الأبواب

ولا أخفيكِ إن قلت لكِ

أن الرجل الماثل أمامكِ الآن


أضحى لوحةً صمّاء

تفتقر للألوان

فاستوطن الشُّرفة

والفِنجان ..

وعيونُه المُتعبة

وراء نظّاراته المُنهكة

تُتابع الدُّخان ..

فأصبحت اهتماماته الجديدة

تغتالُ الكلمات

على تلك الجريدة

وأمنياته العديدة

تكسّرت

وتقلّصت

فأضحت أمنيةً وحيدة

"أن لا يفارقهُ ذلك الوشاح

وأن يُخاطب صورتكِ

كلما زارهُ الصّباح"..

فإن الطفل في داخله

اعتاد على أن يرضى بالقليل

وامتَهن السّفر الطويل ..

فبأي حقٍ يسلبونهُ القصائد

وبأي حقٍ

سوف يَهجو الرّحيل ..


ولا أخفيكِ

فلقد سَئمتُ التظاهر

بأنكِ لا تزالين ترتادين شُرفتي

وبأنّي اعتدتُ على وِحدتي ..

وأن أُكلّم الناس عنكِ

وعن طَيشِنا

ولَحظاتِنا الشّقيةِ..

وسَئمتُ سُؤالهم

عن قِصّتي مع هذا الوشاح ..

ما أجهَلَهُم

وما أكثر كلامَهُم عن هذه القصّةِ..

كُل ما في الأمر

أن في وشاحكِ وطنٌ

يعيشُ بِداخلي

وفيهِ تُدفنُ غُربتي ...

في وداع شجرة



بالرغم من وجود شجرةٍ شاحبةٍ أمام نافذتي

تحجِبُ خيوط الشمس وتقتل مُخيلتي..

وبالرغم من غُرابٍ ينعقُ على غُصنها

يُجاملُها منافقاً ويمدح حُسنها..

لا أزال أُحب هذه الشجرة

بكُل تفاصيلها

وأهازيجِها..

تلك الشجرة الهزيلة

تَحمِل أياماً

تَحتَضِن قِصصاً

وذكرياتٍ جميلة..


تلك الشجرة خُلِقت قَبل الجميع

واحتَفَظت بأسرار الجميع..

بارَكَت ذلك الكهل

عندما كان طفلاً

وشاطرتهُ أيّام الربيع..

تلك الشجرة

وقَفَت أمام الإعصار

وأقسمَت على ردعِ الدمار..

ونافذتي بَقِيت كما هي

شامخة

لم يمسّها سوى الغبار..


تلك الشجرة ليسَت من الريْحان

وليسَت البتُول

ولا البَيلَسان

مُهمّشة الملامح

كسيّدةٍ عجوز

رَحَل عنها العُنفوان..

مزيجٌ من عَبَق الخُزامى

ورحيق الجُوري

وعَظَمة السّنديان..

كبرياء يلتحم في الجذور

حكيمةٌ رُغم الكُسور

وإن جارَ الزمان

وتَمَرّدت عليها الأحزان

تبقى كما هي

شجرةٌ تطرحُ الحنين

وأكاليل الأمل

ونحن كما نحن

بلا خجل

نشاهدها من وراءِ النافذة

بكُل بُرودٍ وكَسَل..

آملين أن تبقى

وأن لا تَتم الصّفقة

وأن لا يقتَلعونها

لأننا نُحبها

ولا يزالُ الأمل

كُلّ الأمل..

ولكن إن حدثَ واقتلعوها

لن نُردّد سوى:

قَدّر اللهُ وما شاءَ فَعَل..